الخطيب الشربيني

486

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

كأنه قيل : هل يفعل مثل ذلك في غير هذا فقال تعالى : كَذلِكَ أي : مثل هذا المذكور من الإضلال والهداية يُضِلُّ اللَّهُ أي : الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز مَنْ يَشاءُ بأي كلام شاء ، كإضلال الله تعالى أبا جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم وَيَهْدِي بقدرته التامّة مَنْ يَشاءُ بنفس ذلك الكلام أو بغيره كهداية أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهذه الآية تدل على مذهب أهل السنة لأنه تعالى قال في أوّل الآية وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا الخ ، ثم قال تعالى : كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ . وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ أي : المحسن إليك بأنواع الإحسان المدبر لأمرك إِلَّا هُوَ أي : الله سبحانه وتعالى . قال مقاتل رضي الله عنه : وهذا جواب لأبي جهل حيث قال : ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر . وقال مجاهد رضي الله عنه : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ يعني : من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار ، ولا يعلم عدتهم إلا الله تعالى . والمعنى : أن تسعة عشر هم خزنة النار ولهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى ، ولو أراد لجعل الخزنة أكثر من ذلك ، فقد روي أنّ البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا تعود لهم نوبة أخرى « 1 » . وروي أنّ الأرض في السماء كحلقة ملقاة في فلاة ، وكل سماء في التي فوقها كذلك « 2 » ، وورد في الخبر : « أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع - وفي رواية موضع قدم - إلا وفيه ملك قائم يصلي - وفي رواية ساجد » « 3 » - وإنما خص هذا العدد لحكم لا يعلمها إلا هو . ثم رجع إلى ذكر سقر فقال تعالى : وَما هِيَ أي : النار التي هي من أعظم جنوده إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ أي : ليتذكروا ويعلموا كمال قدرة الله وأنه سبحانه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار ، وللبشر مفعول بذكرى واللام فيه مزيدة ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة . وقرأ ورش بين بين ، والباقون بالفتح . وقوله تعالى : [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 32 إلى 56 ] كَلاَّ وَالْقَمَرِ ( 32 ) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ( 33 ) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ( 34 ) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ( 35 ) نَذِيراً لِلْبَشَرِ ( 36 ) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ( 37 ) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ( 38 ) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ ( 39 ) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ ( 40 ) عَنِ الْمُجْرِمِينَ ( 41 ) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ( 42 ) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ( 43 ) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ( 44 ) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ ( 45 ) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 46 ) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ( 47 ) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ( 48 ) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ( 51 ) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ( 52 ) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ ( 53 ) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( 54 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ( 56 ) كَلَّا ردع لمن أنكرها أو إنكار لأن يتذكروا بها قاله البيضاوي . وقال البغويّ : هذا قسم

--> ( 1 ) انظر مسلم في الإيمان حديث 164 . ( 2 ) انظر حلية الأولياء لأبي نعيم 1 / 167 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في الزهد حديث 2312 .